ثلاث
حقائق اساسية (يوسف رياض)
لقد كانت محاولة آدم وحواء تغطية عريهما بأوراق التين هي أولى محاولات
البشر لعلاج الخطية بالأعمال. وكل ممارسات الإِنسان الدينية فيما بعد من طقوس
متنوعة وفرائض مختلفة، وكل محاولات إرضاء الله بالأعمال إنما هي إعادة المحاولة
لستر العورة بورق التين، أي لا جدوى منها على الإِطلاق.
يقول إشعياء النبى في هذا الصدد صرنا كلنا كنجس
وكثوبِ عِدةٍ أى خرق نجسه كل أعمال برنا إشعياء 64 : 6 . هذه هي
أعمال برنا في ضوء قداسة الله، خرق نجسة. أتصلح تلك الخرق القذرة أن يَمْثُل فيها
الإنسان أمام الله القدوس؟!
هناك حادثة في سفر التكوين أصحاح 4، أى في بداية البشرية، ترينا فكر الله
في هذه المسألة. ففى هذا الأصحاح نقرأ عن أول متدين أراد الاقتراب إلى الله. إنه
قايين المتدين الأول، والقاتل الأول كذلك!! لكن قايين هذا لم يقترب إلى الله على
أساس الذبيحة، كما فعل هابيل أخوه، وبذلك فإنه تجاهل حالة السقوط التي هو فيها إذ
قد وُلد من أبوين خاطئين. بل لقد اقترب قايين إلى الله على مبدأ الأعمال، مقدماً
لله قرباناً من تعب يديه، فرفضه الله كما رفض قربانه. ونصحه أن يُحْسن الطريق أي
أن يقترب إليه بالذبيحة كيما يقبله.
وكما رفض الله محاولة قايين الاقتراب إليه بثمر الأرض الملعونة وتعب يديه
لأنه خاطئ، هكذا أيضاً مصير كل محاولات الإِنسان التكفير عن نفسه بالأعمال.
لكن لماذا لا تصلح أعمالنا الصالحة
للتكفير عن ذنوبنا؟
الواقع أن هناك أربعة أسباب رئيسية لذلك :
1ـ أن
الأعمال الصالحة التي نقوم بها، مهما عظمت، قيمتها محدودة لأنها صادرة من الإِنسان
المحدود. بينما حق الله الذي أسئ إليه بسبب الخطية لا حد له. والمحدود لا يمكن قط
أن يغطى غير المحدود.
2ـ أن هذه
الأعمال الصالحة إذا كان بوسعنا حقاً أن نعملها ليست تفضلاً منا على الله، بحيث
نستحق الجزاء عليها. بل هي واجب علينا، والتقصير فيه يستوجب العقاب.
3ـ لأن أجرة الخطية هي موت رومية 6 : 23 ، وليست أعمالاً صالحة. فكما لا
يصلح أن يتعهد القاتل أمام المحكمة بأنه تاب ولن يعود إلى القتل مرة أخرى، وأنه
يتعهد مثلاً أمام المحكمة ببناء ملجأ للأيتام مقابل أن تسامحه المحكمة، هكذا لا
تصلح الأعمال أن تكون مقابل أجرة الخطية وهى الموت.
4ـ لأن
الأعمال التي نقول نحن عنها إنها صالحة، ليست هي كذلك في نظر الله، بل إنها ملطخة
بنقائص وعيوب الطبيعة البشرية الساقطة. تذكّر قول النبي إشعياء كثوبعدة أي خرق
نجسة كل أعمال برنا
إذاً فمن يتجاهل تعليم الكتاب المقدس الصريح بهذا الخصوص، ويصر على
الاقتراب إلى الله بأعماله، فإنه يتبع قايين في طريقة، طريق الأعمال، إذ يظن أن
الإِنسان إذا عمل أفضل ما عنده فإنه بذلك ينال القبول عند الله.
وبالأسف الشديد يوجد اليوم الملايين، في كل العالم، الذين يتبعون قايين في
طريقة، وعنهم تقول كلمة الله ويل لهم لأنهم سلكوا طريق
قايين يهوذا 11 .
لا مفر إذاً من الطريق الذي رسمه الله، فالأعمال لا تصلح للتكفير، إنها
طريق قايين المرفوض. والعلاج في الذبيحة، الكفارة بالذبيحة. لكن أي ذبيحة؟ هل تقدر
الذبيحة الحيوانية أن تفدى إنساناً، أي إنسان؟ هذا يقودنا إلى السؤال التالي :
غنى عن البيان أنه كما لا تصلح الأعمال الصالحة في التكفير عن الإِنسان
فهكذا أيضاً لا تصلح الذبائح الحيوانية للكفارة فهي من زاوية معينة تعتبر نوعاً من
الأعمال التي يمكن للإِنسان أن يعملها أنظر مزمور 50 : 7 ـ 15،
51 : 16، 17 .
وكما ذكرنا عن الأعمال الصالحة مهما عظمت فهى محدودة، هكذا الذبائح
الحيوانية، إذ كيف يمكن للبهائم التي تُباد أن تفدى الإِنسان الخالد من الموت
الأبدي؟ لهذا ترد كلمات الرسول بولس القاطعة في عبرانيين 10 : 4 لا يمكن
أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا.
إذا كان ذلك كذلك، فلماذا أمر الله بتقديم الذبائح الحيوانية في العهد
القديم؟
الإجابة لأن الله في العهد القديم، عهد الظلال والرموز، أراد أن يعلم شعبه
أربعة مبادئ أولية هامة.
أولاً : أراد استحضار الخطية إلى ذهن وضمير
شعبه ليتعلموا كراهية الرب لها.
ثانيـاً : ليتعلموا أن قضاء الله على الخطية
هو الموت وليس أقل من ذلك.
ثالـثاً : ليعرفهم أن عند الله طريقة بالرحمة
لرفع الخطية، وأنه سيمكن العفو عن الجاني بهذه الطريقة.
رابعاً : ليعطى شعبه بعض الإِدراك عن هذا
العمل العظيم؛ الكفارة، وعن عظمة وكمالات الشخص المجيد صانع الكفارة؛ الفادي الذي
كان معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم 1بطرس 1 : 18 . حيث أن هذه الذبائح
المتنوعة، في كل تفاصيلها الدقيقة، ما هي إلا رمز لذبيحة المسيح الواحدة والكاملة.
بالإِضافة إلى ماسبق، فإنه يمكن القول إن تلك الذبائح الدموية الحيوانية
كان لها قيمة في العهد القديم، وبررت من قَدمها بالإِيمان عبرانيين
11 : 4 ، لا لأنها في ذاتها لها أية قيمة، بل فقط لأنها كانت تشير إلى
ذبيحة المسيح المعروف سابقاً قبل تأسيس العالم
1بطرس 1 : 18 . ومن هذه الزاوية فإنها كانت تشبه إلى حد ما العملة
الورقية التي نتعامل بها اليوم. إن القيمة الحقيقية لهذه العملة ليس في ذاتها قط،
بل لما لها من رصيد ذهبي في البنك المركزي للدولة. هكذا كانت تلك الذبائح مقبولة
عند الله لأن لها رصيداً في دم المسيح الذي وإن لم يكن قد مات بعد، لكن الله ليس
عنده ماضي وحاضر ومستقبل نظير البشر؛ فهو يرى النهاية من البداية.