هل تجسَّــد الله ؟
يسأل كثيرون ويتعجبون ولا يصدقون، بل أحياناً
يستهزئون قائلين: هل تجسد الله ؟ كيف ولماذا وما هي الضرورة؟
الله
سبحانه يصير إنساناً مثلنا؟!! يأكل ويشرب، يجوع ويعطش، يحزن ويفرح، يتعب وينام،
ويقضي حاجته أيضاً.
حاشا لله، علا عن ذلك علواً
كبيراً..
وقبل أن أجاوب أسأل: إذا أراد
الله سبحانه أن يصير إنساناً، فهل يستطيع؟ الإجابة من الجميع وبلا استثناء:
نعم يستطيع، فهو القادر
علي كل شئ ، يصنع ما يريد وقتما يريد وبالكيفية التي يريدها، نعم يقدر ولا
يعسر عليه أمر.
لكنه قدوس عالٍ وكبير ساكن فوق سماء السموات، ونحن
الطين المزدري وغير الموجود، فلا يليق بجلاله الوجود وسطنا!!!
نعم
هذا رد جميعنا، فتقديرنا لجلاله ومحبتنا لشخصه، يدفعنا أن نقول هذا وأكثر.. أضرب لك مثلاً:
إذا
جاء إلى معسكرنا السيد الرئيس، ووجدنا
نعمل في الزراعة وطلب منا أن يعمل معنا، بالطبع سنرفض كلنا ونقول له: نحن فداؤك يا
ريس! كيف تدوس في الطين وتمسك الفأس وتتسخ ثيابك الأنيقة، لا.. أنت فقط تأمر ونحن
ننفذ، تشير ونحن نعمل إرادتك وأنت علي كرسي رياستك.. لكن إذا صمم الرئيس على طلبه
فهل يستطيع أحد أن يرفض؟؟؟ سنقول أمرك يا ريس، نحن رفضنا حباً وإكراماً، لا نريد
لك النزول إلى هذا المستوى، نريدك دائماً عاليا.. وهو صمم لأنه يريد أن يشاركنا
أفراحنا وأحزاننا، يضع يده في أيدينا تشجيعاً ودفعاً لنا على حب العمل.. وحين نفهم
ذلك، سنحبه أكثر ويزيد تقديرنا واحترامنا لشخصه، نثق في رياسته، وتكون أوامره
مطاعة أكثر لأننا عرفنا أنه يسعى لخيرنا، فهو يعرف مشاكلنا عن قرب حيث مسك بيده
وفعل ما نفعله، صار قريباً منا، لا يحكمنا من برجٍ عاجيٍ لا يدرى بما نعانيه، بل
هو معنا علي أرض واقعنا يشعر بمشاعرنا يتألم
ويتعب ويعرق مثلنا.
قد يراودك السؤال: لكن لماذا يتجسد الله؟ أقول
لك: ليخلصنا من عقوبة خطية أبوينا الأولين الذين عصيا الله بعدم طاعة أمرٍ جزاؤه
الموت وورثناه جميعاً منهما!!!
قد تقول: وما ذنبنا؟ ألم يكن بالأولى موت آدم
وحواء فهما المذنبين؟ أو إبليس سبب الغواية؟ أو نموت نحن فالنفس التي تخطئ تموت؟
!!!
لذلك دعني أعود بك إلي القصة
القديمة، قصة سقوط أبوينا الأولين: في جنة عدن أصدر
الله أمراً لآدم بعدم الأكل من الشجرة التي في وسط الجنة قائلاً: "يوم أن
تأكل منها موتاً تموت". وجاء إبليس ليقول: "لن تموتا". وفضَّل
أبوانا سماع قول إبليس ورفض سماع قول الله، وأكلا من الشجرة. وكانت النتيجة أن
انفتحت أعينهما واكتشفا أنهما عريانان.
فحاولا
محاولاتٍ مستميتةٍ لستر نفسيهما باستخدام ورق التين وصنع مآزر، لكنها كانت تدوم
لساعاتٍ ثم تجف وتسقط وينكشف عريهما ويحتاجان إلي صنع مآزر من جديد.. وهكذا
دواليك، صنع مآزر وسقوطها والحاجة إلي جديد..
خوف
وهروب دائمين من الله. فقدا متعة التواجد في محضر الله والاستمتاع بالحضرة الإلهية
البهية. وهذا هو الموت الأدبي.. انفصال عن الله مصدر الحياة.. وعلى الرغم من أنه يأكل
ويشرب وينجب إلا أنه في انفصال عن مصدر الحياة، إنسان ميت ينجب أمواتاً..
كنا
نتوقع من الخاطئ أن يرجع إلي من أخطأ في
حقه طالباً العفو والغفران، لكنه انشغل عن هذا بستر نفسه، والنتيجة الفشل في الستر
والفشل في العودة..