الله ووحدانيته
في هذا الباب نرى :
1 - الأدلة على وحدانية الله
2 - الأدلة على عدم وجود أي
تركيب فيه
3 - الوحدانية المجردة
والوحدانية المطلقة
4 - الوحدانية الحقيقية
والوحدانية الوهمية
5 - درجات الوحدانية
الحقيقية
6 - آراء الفلاسفة والعلماء
عن الوحدانية الحقيقية
7 - الوحدانية اللائقة
بالله، أو الوحدانية
الجامعة المانعة
الأدلة على وحدانية الله
الترتيب الطبيعي لبحثنا هذا
يلزمنا بالتحدث عن وحدانية الله قبل التحدث عن صفاته، ولكن استصوبنا أن نرجئ البحث
في وحدانيته إلى هذا الباب، لاتصالها بموضوعات الأبواب التالية له إتصالاً وثيقاً
وطبعاً ليس هناك اعتراض على أن اسم الله بأل التعريف يدل على أنه تعالى لا شريك له
ولا نظير ولكن خشية أن يظن أحد أن هناك أكثر من إله واحد للعالم رأينا من الواجب
أن نتحدث فيما يلي عن الأدلة التي تثبت وحدانية الله، وتفرده بالأزلية
1 -
الأدلة العقلية
" أ " الكثرةلا
توجد في الكائنات إلا حيث يوجد الضعف والانقراض فيها، ليحل واحد من أفرادها عوضاً
عن المنقرِض، حفظاً لكيانها وبما أن الله أزلي أبدي، ولا يضعف أو يتغيّر على
الإطلاق، فلا يمكن أن يكون هناك سواه
" ب " لو فرضنا أن
هناك إلهين، لكان كلٌ منهما متحيزاً بمكان وبما أن المتحيز بمكان لا يكون أزلياً
بل حادثاً، فلا يمكن أن يكون أيٌ منهما هو الله، لأن الله لا يتحيز بحيّز فلا يمكن
أن يكون هناك إلا إله واحد غير متحيز بمكان وهذا الإله هو الله
" ج " ولو فرضنا
أيضاً أن هناك إلهين، لكانا إما قد اتفقا على خلق العالم أو اختلفا فإن كانا قد
اتفقا على أن يقوما معاً بهذه المهمة، لما كان كلٌ منهما مستقلاً في عمله وهذا
يتعارض مع الألوهية، لأن من مستلزمات الألوهية الاستقلال بالعمل وإن كانا قد اتفقا
على اقتسام المهمة المذكورة بينهما لكانت سلطة كل منهما محدودة وإن كانا قد اتفقا
على أن أحدهما يعمل دون الآخر لكان أحدهما عاطلاً، وهذا ما يتعارض مع الألوهية كذلك،
لأن من مستلزمات الألوهية الحياة والعمل أما إذا كانا قد اختلفا، لما كانت هناك
وحدة أو انسجام في العالم، ولكان قد تلاشى وانعدم تبعاً لذلك منذ تأسيسه ولذلك ليس
من المعقول أن يكون هناك إلا إله واحد، وهو الله
2 -
الأدلة الطبيعية :
مع اختلاف النباتات بعضها عن
بعض الآخر، تتحد جميعاً في الأجزاء الرئيسية الخاصة بها وإذا نظرنا إلى البشر
وجدنا أنه وإن كان كل جنس منهم يختلف عن الجنس الآخر في الشكل الخارجي، إلا أنهم
يتحدون في جميع الأعضاء وخصائصها وإذا نظرنا إلى المادة بصفة عامة، وجدنا أنها على
اختلاف أنواعها تتحد معاً في التركيب العام لذرّاتها، فجميع الذرات " كما
يقول العلماء " تشبه المجموعة الشمسية التي نعيش في نطاقها وبما أنه لا يُعقل
أن تكون هناك مثل هذه الوحدة العامة بين الكائنات، إلا إذا كان الخالق لها واحداً،
فلا شك أنه ليس هناك إلا إله واحد، وهو الله
3 - شهادة
الفلاسفة :
شهد معظم الفلاسفة بوحدانية
الله، وعدم وجود شريك له، وللاختصار نكتفي بما يأتي :
" أ " فلاسفة
اليونان : قال أكسينوفان : لا يوجد إلا إله واحد وقال أيضاً : لو كان لله شريك لما
استطاع أن يفعل كل ما يريد وقال مليسوس : اللامتناهي واحد فقط، إذ يمتنع أن يكون
هناك شيء خارج اللامتناهي وقال أفلاطون : الله واحد لا شريك له، وإلا لحَدَّ
الشريك من سلطته، التي لا يثبت له الكمال إلا إذا كانت لا حد لها وقال أرسطو : مما
يدل على وحدانية الله، انتظام العالم وتناسق حركاته
" ب " فلاسفة اليهود
: قال موسى بن ميمون : الله واجب الوجود بالبرهان، وهو واحد لا شريك له وقال فيلون
: الله واحد لا شريك له
" ج " فلاسفة
المسيحية : قال فكتور كوزان : لما كان الله غير متناهٍ، كان هو الموجود الأوحد
وقال توما الأكويني : لو كان هناك إلهان لوجب أن يتمايزا فيما بينهما، فيصدق على
الواحد شيء لا يصدق على الآخر، ولكان أحدهما تبعاً لذلك عادماً كمالاً، فلا يكون
إلهاً وقال ترتليان : إذا لم يكن الله واحداً لا يكون هو الله، لأن الله لا يكون
إلا فريداً في العظمة ولا يكون فريداً في العظمة إلا من لا مساوي له، ومن لا مساوي
له لا يكون إلا واحداً مفرداً
" د " فلاسفة
المسلمين : قال الفارابي : الله واحد وهو واجب الوجود " أي ليس معلولاً بعلة
" وقال ابن سينا : للكون إله واحد هو علة كل مَنْ عداه وما عداه من موجودات
علوية وسفلية وقال ابن مسكويه : الصانع واحد وهو واجب الوجود
وإذا رجعنا إلى الكتاب
المقدس وجدناه يشهد عن وحدانية الله بكل وضوح وجلاء قال الله : أَنَا الْأَّوَلُ
وَأَنَا الْآخِرُ وَلَا إِلَهَ غَيْرِي " إشعياء 44 :6 " وقال أيضاً :
أَنَا أَنَا هُوَ وَلَيْسَ إِلهٌ مَعِي " تثنية 32 :39 " وقال للذين
اتخذوا غيره إلهاً : أَلَيْسَ أَنَا الرَّبُّ وَلَا إِلَهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلَهٌ
بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ لَيْسَ سِوَايَ " إشعياء 45 :21 " ولذلك خاطبه نحميا
: أَنْتَ هُوَ الرَّبُّ وَحْدَكَ " نحميا 9 :6 " وقال موسى : الرَّبَّ
هُوَ الْإِله فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَعَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ لَيْسَ
سِوَاهُ " تثنية 4 :39 " وقال أيضاً : الرَّبُّ إِلهنَا رَبٌّ وَاحِدٌ
" تثنية 6 :4 " وقال بولس : لنا إِلهٌ وَاحِدٌ " 1تيموثاوس 2 :5
" وقال يعقوب : اللّهَ وَاحِدٌ " يعقوب 2 :19 "
الأدلة على عدم وجود أي تركيب في الله
تبيَّن لنا فيما سلف أن الله
واحد لا شريك له ولنبيّن الآن أن وحدانيته ليست الوحدانية المركبة، مثل الوحدانية
التي تتصف بها المخلوقات، بل بالوحدانية التي لا تركيب فيها على الإطلاق
1 -
الأدلة العقلية
" أ " بما أن
المركب من أجزاء لا يتكوّن إلا بعد وجودها " إذْ أن وجود الأجزاء يسبق وجود
الكل " وبما أن الله لم يكن مسبوقاً بعدم أو وجود، لأنه هو الأزلي وحده، إذاً
فهو ليس مركباً
" ب " بما أنه لا
بد للمركَّب من مركِّب يضمّ أجزاءه بعضها إلى بعض حتى يصير كلاً " لأن
الأجزاء لا ينضم بعضها إلى البعض الآخر دون علة " وبما أن الله لا علة له،
لأنه موجود بذاته أزلاً، إذاً فهو ليس مركباً
" ج " بما أن كل
مركَّب محدود بكمية أجزائه وقدرها، وبما أنه الله غير محدود، إذاً فهو ليس مركباً
شهادة الفلاسفة
شهد كل الفلاسفة الذين
يؤمنون بالله، بعدم وجود أي تركيب في ذاته وللاختصار نكتفي بما يأتي :
" أ " فلاسفة
اليونان : قال أكسينوفان : الله أرفع الموجودات السماوية والأرضية، وهو ليس مركباً
وقال أرسطو : كل مركب صائر إلى الانحلال، ولذلك لا يكون الواحد " أي الله
" إلا بسيطاً غير قابل للتجزئة
" ب " فلاسفة
اليهود : قال فيلون : الله لايمكن وصفه ولا يمكن حدُّه وما لا يمكن وصفه أو حدّه
يكون بسيطاً، لأن المركب يمكن وصفه وحده وقال موسى بن ميمون : يلزم من وجوب وجود
الله أن يكون بسيطاً أو لا تركيب فيه
" ج " فلاسفة
المسيحيين : قال أوريجانوس : يجب ألا نظن أن الله ذو جسد، إذ أنه من جميع جهاته
عقل، أي أنه لا تركيب فيه بوجه من الوجوه وقال توما الأكويني : الله بسيط كل
البساطة ومنّزه كل التنزيه عن أي نوع من أنواع التركيب، فهو ليس مركباً من هيولي
وصورة، أو من ماهية وشخص حاصل عليها، أو من ماهية ووجود، أو من جنس وفصل، أو من
جوهر وعَرَض، لأنه ليس جسماً وقال القديس أوغسطينوس : الله جوهر مجرد لا تركيب فيه
" د " فلاسفة
المسلمين : قال الفارابي : الله ليس مؤلَّفاً من أي نوع من أنواع التألف الحسّي أو
العقلي أو المنطقي وقال ابن سينا : الله منزّه عن التألّفات الخمسة، التي تعرض لكل
من عداه وما عداه وهذه التألفات هي التألف المادي، والتألف الذهني، والتألف
المنطقي، والتألف من الذات والصفات، والتألف من الماهية والوجود فهو بسيط لا تركيب
فيه بوجه
وإذا رجعنا للكتاب المقدس
رأينا أنه وإن كان لم ينبّر على تنزّه الله عن التركيب، كما نبّر على وحدانيته
وتفرّده بالأزلية " وذلك لعدم ظهور اختلاف بين الناس من جهة عدم تركيب الله
من أجزاء في العصور التي كُتب فيها " ، لكن ذُكر في سياق موضوعاته المتعددة
آيات كثيرة تدل على أنه لا تركيب فيه فقد قال إن اللّهُ رُوحٌ " يوحنا 4 :24
" والقول الله روح لا يُقصَد به " كما يتبين من الآية الوارد فيها
" أنه روح مثل الأرواح المخلوقة، بل يقصد به فقط أنه ليس مادياً أو مركباً أو
محدوداً، وقيل عنه : غَيْرِ الْمَنْظُورِ " كولوسي 1 :15 " و لا يتحيّز
بمكان " مزمور 139 :8-12 " وهذه الصفات تدل على أنه غير مركب، لأن
المركب يتحيّز بحيّز، ومن الممكن أن يُدرَك أو يُرى إذ أنه محدود بحدود الأجزاء
المركب منها - وأجمعت كل كتب العقائد على اختلاف مذاهب كتابها، على أن الله روح
سرمدي، غير مركب أو محدود، أو متغير
مما تقدم يتبيّن لنا أن
المسيحية نادت منذ نشأتها بوحدانية الله وعدم وجود تركيب فيه فإذا درسنا الكتاب
المقدس وجدناه ينذر المشركين بالعذاب الأليم، ليس في الأبدية فقط بل وفي العالم
الحاضر أيضاً فقد قال تعالى لهم : فَأُحَطِّمُ فَخَارَ عِزِّكُمْ، وَأُصَيِّرُ
سَمَاءَكُمْ كَالْحَدِيدِ وَأَرْضَكُمْ كَالنُّحَاسِ، فَتُفْرَغُ بَاطِلاً
قُوَّتُكُمْ، وَأَرْضُكُمْ لَا تُعْطِي غَلَّتَهَا,,, أُطْلِقُ عَلَيْكُمْ وُحُوشَ
الْبَرِّيَّةِ فَتُعْدِمُكُمُ الْأَوْلَادَ، وَتَقْرِضُ بَهَائِمَكُمْ,,, أَجْلِبُ
عَلَيْكُمْ سَيْفاً يَنْتَقِمُ نَقْمَةَ الْمِيثَاقِ " اللاويين 26 :19-26
" وقال أيضاً : وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ
وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَجَمِيعُ
الْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ،
الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي " رؤيا 21 :8 "